أسئلة و إجابات

تاريخ تجارة الألماس

أحجار الألماس من الأحجار الكريمة الغنية عن التعريف وأشهرها على مر التاريخ نتيجة لجمالها ونقائها المميز والذي أصبح ضمن عناصر الثقافة في مختلف المجتمعات والحضارات ممثلاً للثروة والنفوذ، فقد بدأت فكرة أن أحجار الألماس أحجار قيّمة ونادرة وأن اقتنائها هو علامة أساسية من علامات الثروة والاعتداد بالنفس منذ بدأ إكتشافها وتداولها تجارياً. مع مرور الوقت وحتى أواخر القرن التاسع عشر شهدت تجارة الألماس منحنى تاريخي كاد أن يؤثر على مسار تجارتها على المدى الطويل، حيث أنه وقبل ذلك التاريخ كان يتم العثور على الألماس بأعداد قليلة وبصعوبة سواء في مجاري الأنهار في الهند أو في أدغال البرازيل وغيرها من أماكن إستخراجها التي كانت معدودة ومحدودة أنذاك، وقد سجل إنتاج دول العالم حينها بضع باوندات سنوياً.

إلى أنه في عام 1870، حدث مالم يتوقعه أحد، فنتيجة لتزايد الإستثمارات في مجال إستخراج الألماس والتوسع في إنشاء المناجم وإكتشاف مواقع جديدة للتنجيم خاصة بالقرب من نهر أورانج في جنوب أفريقيا، أدى ذلك إلى إستخراج كميات هائلة على نحو مفاجيء مقارنه بالكميات المعتادة زادت عن الطن سنوياً. وهكذا بعدما سرعان ما تدفقت تلك الكمية الكبيرة من الألماس إلى الأسواق التجارية، أدرك الممولون البريطانيون أنهم قد إرتكبوا خطأً قد عرض إستثماراتهم بكاملها للخطر، فقد أدت زيادة المعروض من الألماس إلى إنخفاض قيمتها الفعلية مما أدى إلى التأثير بشكل سلبي على الأسعار، إلى درجة أن المستثمرون كانوا يخشون أن تصل قيمة أحجار الألماس الى مستويات قيمة الأحجار شبة الكريمة.

أحجار ألماس مصقولة

مظهر أحجار ألماس مصقولة ومهيئة للتجارة

إنشاء كيان موحد

وفي إطار سعيهم للبحث عن حلول أدرك كبار المستثمرين في مناجم الألماس أنه ليس لديهم أي بديل سوى دمج مصالحهم في كيان واحد من شأنه أن يكون قوياً ومؤثراً بما فيه الكفاية لفرض السيطرة على إنتاج الألماس وتنظيم إستخراجه من أجل الحفاظ على التوازن المناسب من العرض والطلب ومستويات الندرة النسبية للألماس وبالتالي جني أرباح ومكاسب أكثر. وقد أطلق على ذلك الكيان الذي تم إنشاءه في عام 1888 “مناجم دي بيرز الموحدة، المحدودة” والذي تأسس في جنوب أفريقيا. وتجدر الإشارة إلى أنه قد ظهر ما يمثل ذلك الكيان في العديد من دول العالم الأخرى تحت مسميات مختلفة، فعلى سبيل المثال في لندن كان يسمى “شركة تجارة الألماس”، و في إسرائيل كان يعرف بإسم “النقابة”.

أما في أوروبا، فكان يُطلق على ذلك الكيان مسمى “منظمة البيع المركزية” والتي كانت ذراع لشركة تجارة الألماس. وفي جنوب أفريقيا كانت تعمل تحت مسمى الشركات التابعة لعدة أسماء مثل مؤسسة تنمية الألماس، وشركات خدمات التعدين. وفي أوجها بالنسبة لمعظم هذا القرن، فقد كانت لا تمتلك أو تسيطر مباشرة فقط على جميع مناجم الألماس في جنوب افريقيا ولكن أيضاً كانت تمتلك شركات ألماس تجارية في إنجلترا والبرتغال واسرائيل وبلجيكا وهولندا وسويسرا.

تنظيم تجارة الألماس

وقد أثبتت مناجم دي بيرز للألماس أنها إحدى المنظمات الاكثر نجاحاً في سجلات تاريخ التجارة الحديثة. فمقارنه مع السلع الأخرى مثل: الذهب والفضة والنحاس والمطاط، والحبوب التي قد تذبذبت قيمتها إستجابة للتغيرات التي تحدث في إقتصاديات الدول، فأن الألماس مع بعض الإستثنائات المعدودة قد إستمر بالتقدم للأمام وإلى أعلى في الأسعار في كل عام وحتى أثناء فترات الكساد. حيث قد تجلت قدرات المنظمة العالية على تنظيم قيمة الألماس في ظل مختلف الظروف، وفي أواخر السبعينات، بدأ المضاربون بشراء الألماس كملاذ ضد تقلبات التضخم والركود.

ليس السر وراء ثبات ونمو أسعار الألماس عبر الزمن إلى القدرة على تنظيم تجارتها فقط، بل إلى قدرة ذلك الكيان على تحويل تلك البلورات الصغيرة المادية من الكربون إلى رموز ومعاني ذات دلالات في ذهن المستهلكين تشمل الرومانسية والثروة والسلطة. فمن خلال التسويق الناجح للألماس كأحجار كريمة تمثل جزءاً لا يتجزأ من الحياة الزوجية والتعبير عن العواطف والشعور أدى ذلك إلى إقبال المستهلكين على شرائها والإمتناع عن بيعها مرة أخرى.

تجارة الألماس عبر التاريخ

مرت تجارة الألماس بمنحنيات وتحولات تاريخية

مبيعات الألماس

رغم إستمرار ذلك الإستقرار في قيمة الألماس إلى نحو القرن، فقد حدث وأن إنهارت أسعار الألماس في أوروبا خلال فترة الكساد، حيث بدا وأن هناك إحتمالية ضئيلة جداً للتعافي من ذلك الضرر وإستعادة ثقة المستهلكين الألماس مجدداً. فقد إنعدمت فكرة إعطاء خاتم من الألماس للإرتباط بالخطوبة في ألمانيا والنمسا وإيطاليا، وإسبانيا. بينما في إنجلترا وفرنسا فقد ظل يوجد بعض التمسك بأحجار الألماس من قبل الطبقة الأرستقراطية خاصة هناك.

كانت أوروبا على حافة الحرب حينها، وبدا أن هناك إحتمال ضئيل لنمو مبيعات الألماس. إلا أنه كان يوجد سوقاً رائجاً نسبياً على الرغم من ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسياً في الواقع للألماس المستخرج من مناجم دي بيرز، حيث أنه في عام 1938 تم بيع ما يقدر بنسبة ثلاثة أرباع من مبيعات الألماس إلى خواتم الخطبة بالولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم أنها كانت أصغر حجماً وأقل جودة من تلك التي يتم بيعها في أوروبا، وكان متوسط سعر القطعة الواحدة 80 دولار. ونتيجة لملاحظة المستثمرين لنوعية الألماس المباع في الولايات المتحدة فقد إقتنعوا بإطلاق حملات إعلانية من شأنها أن تقنع المستهلكين الأمريكيين بشراء أحجار الألماس الأعلى ثمناً وجودة.

في سبتمبر من عام 1938، سافر هاري أوبنهايمر، ابن مؤسس شركة دي بيرز، من جوهانسبرج إلى مدينة نيويورك للاجتماع مع جيرولد م لوك، رئيس شركة بارزة في مجال الإعلانات في الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، اقترح كلا منهما إعداد خطة لخلق صورة جديدة للألماس بين الأمريكيين لتشجيعهم وحثهم على شراء الألماس وللترويج لتجارته.

وهكذا كانت تلك بداية للحقبة الحديثة من تجارة الألماس مع بدأ الإعتماد على الحملات الدعائية وإنتهاء الحرب العالمية الثانية وبدأ حدوث إستقرار إقتصادي في مختلف أنحاء أوروبا والعالم.